محمد جمال الدين القاسمي
303
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
أن تعذيبهم ، مع أنه قطعيّ الوجود ، كيف استعمل فيه ( إن ) وعدم وقوع العفو بحكم النص والإجماع . وفي كتب الكلام : إن غفران الشرك جائز عقلا عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة . لأن العقاب حق اللّه على المذنب ، وليس في إسقاطه مضرة . وبالجملة : فليس قوله تعالى إِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ تعريضا بسؤاله العفو عنهم . وإنما هو لإظهار قدرته على ما يريد ، وعلى مقتضى حكمه وحكمته . ولذا قال : إنك أنت العزيز الحكيم ، تنبيها على أنه لا امتناع لأحد عن عزته ، فلا اعتراض في حكمه وحكمته . قال الرازيّ : قال قوم : لو قال : فإنك أنت الغفور الرحيم ، أشعر ذلك بكونه شفيعا لهم . فلما قال : فإنك أنت العزيز الحكيم ، دل ذلك على أن غرضه تفويض الأمر بالكلية إلى اللّه تعالى ، وترك التعرض لهذا الباب من جميع الوجوه . وفي ( العناية ) ما ملخصه : أن ما ظنه بعضهم من أن مقتضى الظاهر الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * بدل الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ كما وقع في مصحف عبد اللّه بن مسعود - فقد غاب عنه سر المقام . لأنه ظن تعلقه بالشرط الثاني فقط ، لكونه جوابه . وليس كما توهم . بل هو متعلق بهما . ومن له الفعل والترك عزيز حكيم . فهذا أنسب وأدق وأليق بالمقام ، أو هو متعلق بالثاني ، وإنه احتراس ، لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز ينافي القدرة ، أو لإهمال ينافي الحكمة . فبيّن أن ثوابه وعقابه مع القدرة التامة والحكمة البالغة . تنبيه : قال الحافظ ابن كثير : هذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب . وقد ورد في الحديث أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قام بها ليلة إلى الصباح يرددها . روى الإمام « 1 » أحمد عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال : صلى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ذات ليلة . فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فلما أصبح قلت : يا رسول ! لم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت . تركع بها وتسجد بها ؟ قال : إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي ؛ فأعطانيها . وهي نائلة ، إن شاء اللّه ، لمن لا يشرك باللّه شيئا .
--> ( 1 ) أخرجه في المسند 5 / 149 .